Blog

كيف ننتفع بالقرآن؟!

كيف ننتفع بالقرآن؟!

كيف ننتفع بالقرآن؟!   بقلم: د. مجدي الهلالي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..

 

فلقد اعتاد الكثيرُ منا بعد دخوله المسجد وجلوسه فيه انتظارًا للصلاة أن يتناول مصحفًا من المصاحف ليقرأَ فيه حتى يحين وقت إقامة الصلاة، فإن سألتَه عما استفاده من تلك القراءة والجديد الذي خرج به ففي الغالب لن تجد منه جوابًا، فهو يقرأ القرآن وعينه على الثواب المترتب على تلاوته بغضِّ النظر عن أي شيء آخر، ويزداد الأمر وضوحًا في شهر رمضان، فما إن يدخل هذا الشهر المبارك على المسلمين إلا وتزدَحِم المساجدُ بالمصلِّين، وينكبُّ الواحدُ منا على المصحف ويجتهد في قراءة القرآن وختمه عدة مرات، بل ويتبارَى في ذلك الأقران، ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها بعضَ الجوانب الإيجابية، مثل: اهتمام المسلمين بكتابهم، وحبّهم له، وتعلُّقهم به، ولكن- ومما يدعو للأسف- أن محور الاهتمام غالبًا ما يدور حول حروف القرآن وألفاظه، دون أن يصاحب ذلك اهتمامٌ مماثلٌ بما تحمله هذه الألفاظ من معانٍ هادية، تدفع مَن يعيش في أجوائها إلى الاستقامة على أمر الله وعلى صراطه المستقيم كما يقول تعالى:﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: من الآية 9).

 

وخير دليل على أن ما نفعله مع القرآن ينقصه الكثير والكثير هو واقعنا الذي نحياه، فالواحد منا يقرأ الآيات والسور، وينتهي من الختمة تلو الختمة، دون أن تجد أثرًا لهذه القراءة في أفعاله وسلوكه، بل إنك إن سألته عما استوقفه من آيات لم تجد منه جوابًا، فالهمُّ منصرفٌ لتحصيل أكبر قدر من القراءة؛ طمعًا في الأجر والثواب الذي أخبر به النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بقوله: “من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف”.  

 المعنى هو المقصود  

وما هذا فقط أراد رسول الله صلى الله عليه فلو كان أمر القرآن يتعلق بالثواب المترتب على قراءته فقط لكانت هناك أعمالٌ أخرى تعود علينا بثواب أكبر، مثل ما أَخبرنا به- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:“من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب له ألف ألف حسنة، ومُحي عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبني له بيت في الجنة”.

 

ولسنا نعني بذلك التقليل من شأن الثواب المترتب على قراءة القرآن، بل نعني إعادة النظر في طريقة تعاملنا معه، فقيمة القرآن وبركته الحقيقية تكمن في معانيه؛ ولأن اللفظ وسيلة لإدراك المعنى كان التوجيه النبوي بالإكثار من تلاوته، وتحفيز الناس على ذلك من خلال الثواب الكبير المترتب على قراءته، ومثال ذلك: الأب الذي يرصد مكافأةً لابنه إن استمر في المذاكرة عدة ساعات، هو بالتأكيد لا يقصد من وراء ذلك مجرد جلوسه على المكتب والنظر في الكتب دون فهم ما تحتويه، بل هدفه تشجيع ابنه على المذاكرة بذهن حاضر ليتحقق له النجاح.

 

 فإذا ما نظرنا إلى الهدف الأسمى من نزول القرآن، وربطنا بينه وبين ما رتب الشارع الحكيم على قراءته من ثواب عظيم، لوجدنا أن من أهداف هذا الثواب تشجيع المسلمين على دوام الاقتراب منه حتى يهتدوا بهداه، ويستشفوا بشفائه، أما أن نقترب منه وليس لنا هدفٌ إلا ثواب القراءة فقط دون الالتفات إلى المعنى المقصود من الخطاب فإننا- لا شك- سنخسر كثيرًا بالاقتصار على ذلك التعامل الشكلي ولن يحقق فينا القرآن حينئذ- مقصوده.  

  لا بديل عن التدبر

  إن نصوص القرآن واضحةٌ في أهمية تدبره عند قراءته أو الاستماع إليه؛ ليكون التدبر وسيلةً للفهم والتأثر ثم العمل، يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (29)﴾ (ص)،وقوله تعالى ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)(محمد) ولأن فهم مقصود الخطاب لا بد أن يلازمَ قراءة القرآن ; كان توجُّه الرسول- صلى  الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لعبد الله بن عمرو بن العاص بألا يختم القرآن في أقل من ثلاث، معللاً ذلك بقوله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: “لا يفقهه من يقرأه في أقل من ثلاث”.

 

إننا نعمل جاهدين على فهم المقصود من أي كلام نقرؤه أو نسمعه، فلماذا لانطبق هذه القاعدة على القرآن على أنه كلام يصعُب فهمُه مع أن أغلب آيات القرآن واضحة المعنى؟! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن المعلوم أن أي كلام يكون المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك، ويؤكد على هذا المعنى الأستاذ حسن الهضيبي فيقول: ليست العبرة في التلاوة بمقدار ما يقرأ المرء، وإنما العبرة بمقدار ما يستفيد، فالقرآن لم ينزل بركةً على النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بألفاظه مجردة عن المعاني، بل إن بركة القرآن في العمل به، واتخاذه منهجًا في الحياة يضيء سبيل السالكين، فيجب علينا حين نقرأ القرآن أن يكون قصدنا من التلاوة أن نحقق المعنى المراد منها، وذلك بتدبر آياته وفهمها والعمل بها.   التدبر وسيلة وليس غاية   نعم.. لا بد أن يصاحب قراءة القرآن الفهم والتدبر، قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى:﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (82)﴾ (النساء) يقول: ودلت هذه الآية على وجوب التدبُّر في القرآن ليعرف معناه، ومع ذلك فتدبُّر القرآن وإن كان واجبًا على قارئه أو مستمعه إلا أنه ليس غايةً في حد ذاته، بل هو وسيلةٌ لتفعيل معجزته الكبرى وتحقيقها في نفس متلقيه.  

 المعجزة الكبرى

   نعلم جميعًا أن القرآن الذي بين أيدينا هو أكبر وأعظم معجزة جاءت من عند الله عز وجل للبشر، أكبر مِن معجزة عيسى عليه السلام في إحيائه للموتى بإذن الله، ومِن عصا موسى وناقة صالح عليهما السلام، وغيرها من المعجزات، فما هو سرّ هذه المعجزة والذي جعلها تتفوَّق على كل ما سبقها من معجزات؟!

 

 قد يجيب البعض بأن معجزةَ القرآن تكمن في أسلوبه وبلاغته، وتحدِّي البشريه، وأنه صالح لكل زمان ومكان.. إلخ، نعم.. هذا كله من أوجه إعجاز القرآن، ولكن يبقَى سرّ إعجازه الأعظم في قدرته على التغيير، تغيير أي إنسان، ومن أي حال يكون فيه ليتحوَّل من خلاله إلى إنسان آخر، فيصير عالمًا بالله عابدًا له في كل أموره وأحواله، حتى يتمثَّل فيه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام).  

 كيفية التغيير   

 والتغيير الذي يُحدثه القرآن يبدأ بدخول نوره إلى القلب، فكلما دخل النور إلى جزء من أجزائه بدَّد ما يقابله من ظلمة أحدثتها المعاصي والغفلات واتباع الهوى، وشيئًا فشيئًا يزداد النور في القلب، وتدبّ الحياة في جنباته، ليبدأ صاحبه حياةً جديدةً لم يعهدها من قبل.. قال تعالى:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: من الآية 122)، فالقرآن إذن هو الروح التي تُبَثُّ في القلب فتحييه، قال تعالى ﴿وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الشورى: من الآية 52).

وعندما تبث الروح في القلب، وتمتلئ جنباته بنور الإيمان، فإن هذا من شأنه أن يردَّ الهوى وحب الدنيا من القلب؛ مما يكون له أبلغ الأثر على سلوك العبد واهتماماته، وهذا ما أوضحه- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- للصحابة عندما سألوه عن معنى انشراح الصدر الذي جاء في قوله تعالى:﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (الزمر: من الآية 22)قال- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: “إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح” قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟! قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله”.  

 من آثار المعجزة  

 يقول تعالى:﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْبِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (الرعد: من الآية 31)إن للقرآن تأثيرًا قويًّا يفوق ما يمكن تخيله، ولقد ضرب لنا سبحانه وتعالى مثلاً لذلك فقال عز من قائل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21)﴾ (الحشر) فالجبال كما يقول القرطبي إذا ما خوطبت بهذا القرآن مع تركيب العقل لها لانقادت لمواعظه، ولرأيتَها – على صلابتها ورزانتها- خاشعةً متصدعةً، إنها متشققةٌ من خشية الله، وفي هذا المثل دعوة للتفكير في قوة تأثير القرآن؛ ليكون حجةً على الجميع، ويبطل دعوى مَن ادَّعى بأنه ليس أهلاً لتدبر القرآن.  

 القرآن والجن  

ومن آثار المعجزة القرآنية وقوة تأثيرها ما حدث لنفر من الجن حين استمعوا للقرآن.. قال تعالى:﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32)﴾ (الأحقاف).

   نموذج للتغيير القرآني   

 للقرآن تأثيرٌ عجيبٌ في نفس مَن يحسن استقباله والتعامل معه على حقيقته ككتاب هداية وشفاء، فمِن شأنه أن يُحدث انقلابًا جذريًّا شاملاً في شخصيته، فيُعيد صياغتَها وتشكيلَها من جديد على النحو الذي يحبه الله و يرضاه ، فإن كنت في شكٍّ من هذا فتأمل معي ما حدث للصحابة- رضوان الله عليهم- والذين كانوا قبل إسلامهم غايةً في الغرابة والجاهلية، ليدخلوا بهذه الحالة إلى مصنع القرآن ثم يخرجوا منه أناسًا آخرين تفخر بهم البشرية حتى الآن.

 

إنه لأمرٌ عجيبٌ يشهد بقدرات هذا الكتاب على إحداث التغيير الجذري في النفوس- أي نفوس- وإلا فمَن يصدق أن أمةً تعيش في الصحراء حفاةً عراةً فقراءَ، بلا مقوماتٍ تُذكر، لا توضع في حسابات القوى الكبرى آنذاك، فيأتي القرآن ليغيِّرَها ويُعيدَ صياغةَ شخصيتها وكيانها من جديد، ويرفع هامات أبنائها إلى السماء، ويربط قلوبَهم بالله؛ ليكون وحدَه هو الغاية والمقصد، حدث كل هذا في وقت قصير، سنوات معدودات، كانت كفيلة بإحداث هذا التغيير الجذري.. فماذا كانت النتيجة؟! تحقق الوعد الذي وعد الله به عباده إذ قاموا بتغيير ما بأنفسهم، كما قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11) ففي سنوات معدودة خرجت القوة الجديدة من قلب نفس الصحراء لتحطّم الإمبراطوريات وتقلب الموازين وتؤول لها القيادة والريادة:﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية 111).  

   لماذا غيَّر القرآن الصحابة؟   

 الذي مكَّن القرآن على إحداث هذا التغيير الجذري في جيل الصحابة هو حسن تعاملهم معه بعد أن أدركوا قيمتَه وفهموا المقصد من نزوله، ولقد كان أستاذهم رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قدوتَهم في ذلك، فلقد عايش- صلى الله عليه وسلم- القرآنَ بكيانه كله وانصبغت حياتُه به، حتى صار وكأنه قرآنًا يمشي على الأرض، يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه.

 

كان- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقرأ القرآنَ قراءةً متأنيةً مرسلةً، فيرتِّل السورة حتى تصبح أطول من أطول منها، ولقد ظل ليلةً كاملةً يردد في صلاته آيةً واحدةً وهي قوله تعالى:﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: من الآية 118) بل إنك لتعجب من قوة تأثير القرآن على رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عندما يخبرنا بقوله:“شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب”

 أما تأثير القرآن على الصحابة فخيرُ دليل عليه هو واقعهم الذي تبدَّل، واهتماماتهم التي تغيَّرت، فإن أردت مثالاً لكيفية معايشة الصحابة للقرآن وقوة تأثيره عليهم، فانظر أمرَ عبَّاد بن بشر الذي كان يتبادل حراسةَ المسلمين مع عمَّار بن ياسر في غزوة ذات الرقاع، فطلب من عمار- وقد كان مجهدًا- أن ينام أول الليل ويقف هو، فلما رأى أن المكان آمنٌ صلى، فجاء أحد المشركين فرماه بسهم فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثانٍ فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وأنهى التلاوة وأيقَظَ عمارًا وهو ساجدٌ، فلما سأله عمار لِمَ لَمْ يوقظه أول ما رُمي؟! فأجاب: “كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع على الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيِّع ثغرًا أمرني به رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها”.  

  بركة القرآن

   إذن فقيمة القرآن الحقيقية تكمن في معانيه، وقدرته على إحداث التغيير الجذري لقارئه، وإعادة صياغة عقله، وبث الروح في قلبه، وترويض نفسه ليخرج منه عالمًا بالله عز وجل عابدًا له بإخلاص وعلى بصيرة، وهذا لن يتحقق بمجرد القراءة العابرة باللسان فقط، ولو تم ختمه بهذه الطريقة آلاف المرات.

 

وهذا ما كان يؤكد عليه الصحابة- رضوان الله عليهم- فقد قيل للسيدة عائشة- رضي الله عنها- إن أناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا، فقالت: قرأوا ولم يقرأوا “كان رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء لا يمر بآية فيها استبشارٌ إلا دعا الله تعالى ورغب، ولا يمر فيها تخويف إلا دعا واستعاذ”.

 

 وعن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القيام وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأكما تقول، ومن وصايا ابن مسعود رضي الله عنه: لا تهذُّوا بالقرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم من السورة آخرها.

 

ويؤكد على هذا المعنى الآجرى في كتابه (أخلاق حملة القرآن) فيقول: والقليل من الدرس للقرآن مع التفكر فيه وتدبره أحبُّ إليَّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكُّر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة وأقوال أئمة المسلمين.. سُئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة قراءتهما واحدة، وركوعهما وسجودهما، وجلوسهما، أيهما أفضل؟! قال الذي قرأ البقرة، ثم قرأ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (الإسراء: من الآية 106).  

حالنا مع القرآن  

 أتعلم يا أخي أن القرآن الذي بين أيدينا هو القرآن الذي كان مع الصحابة، وهو الذي صنع منهم هذا الجيل الفريد.. فما الذي تغير؟! لماذا لم يعُد القرآن ينتج مثل هذه النماذج؟! هل فقد مفعوله؟ حاشاه أن يكون كذلك، وهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة.

 

إذن فالخلل فينا نحن، فمع وجود المصاحف في كل بيت، وما تبثه الإذاعات ليل نهار من آيات القرآن، ومع وجود عشرات بل مئات الآلاف من الحفَّاظ على مستوى الأمة وبصورة لم تكن موجودةً في العصر الأول، إلا أن الأمة لم تجنِ ثمارًا حقيقيةً لهذا الاهتمام بالقرآن لماذا؟! لأننا لا نوفر للقرآن الشروط التي يحتاجها لتظهرَ آثارُ معجزته  ويقومَ بمهمة التغيير، فلقد اقتصر اهتمامُنا بالقرآن على لفظه، واختُزل مفهوم تعلّم القرآن على تعلّم حروفه وكيفية النطق بها دون أن يصحب ذلك تعلّم معانيه، وأصبح الدافع آياته من معانٍ هادية وشافية؛ مما جعل الواحد منا يسرح في أودية الدنيا وهو يقرأ القرآن، ويفاجأ بانتهاء السورة ليبدأ فيغيرها، ويبدأ في السرحان مرةً أخرى دون أن يجد حرجًا في ذلك، بل إنه في الغالب ما يكون سعيدًا، وفرحًا بما أنجزه من قراءة كمًّا لا كيفًا!! نُدير مؤشر المذياع على صوت قارئ القرآن ثم نتركه يرتل الآيات ويخاطب بها الجدران ثم ينصرف كل منا إلى ما يشغله!!  

 من آثار هجر القرآن  

 هذا التعامل الشكلي مع القرآن أدى إلى عدم الانتفاع الحقيقي به، فماذا كانت النتيجة؟! توقفت المعجزة القرآنية- أو كادت- عن إحداث التغيير الحقيقي في النفوس، لتزداد الفجوة بين الواجب والواقع، والقول والفعل، تغيرت اهتماماتنا، وازداد حبُّنا للدنيا وتعلُّقنا بها، فجرَت علينا سنةُ الله عز وجل:﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)﴾ (الأنفال).

وانطبق حالنا مع ما أخبر به رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عندما قال “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟! قال :“بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابةَ منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن “فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟!قال حب الدنيا وكراهية الموت”.  

 ضرورة العودة إلى القرآن  

من هنا يتضح لنا أنه قد آنَ أوانُ العودة الحقيقية إلى القرآن، فنقبل على مأدبته، ونعطي له عقولنا وقلوبنا، ونترك له أنفسنا.. آن الأوان لكي نبدأ عملية التغيير الحقيقية في ذواتنا حتى يتحقَّق موعودُ الله لنا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)ولنعلم جميعًا أن أيَّ بداية أخرى تتجاوز القرآن لن تأتي بالثمار المطلوبة، ولِمَلا والقرآن هو الدواءُ الربانيُّ الذي أنزله الله- عز وجل- ليشفي به  الإنسان من أمراضه، ويعيد به العافية إلى قلبه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)﴾ (يونس).  

 كيف ننتفع بالقرآن؟!  

  مما لا شك فيه أن مَن يُقبل على القرآن مستشعرًا أنه خطابٌ من الله عز وجل موجًّهٌ إليه يحمل في طياته مفاتيح سعادته في الدنيا والآخرة، وأنه القادر- بإذن الله- على تغييره مهما كان حاله، لا شك أن هذا الشخص لا يحتاج إلى مَن يدله على وسائل تعينه على الانتفاع بالقرآن، لأنه بهذا الشعور قد أصبح مهيَّأً للتغيير الذي يقوم به القرآن.

 أما وإنه من الصعب علينا في البداية أن نكون كذلك بسبب ما ورثناه من أشكال التعامل الخاطئ مع القرآن؛ مما جعل هناك حاجزًا نفسيًّا بيننا وبينه يمنعنا من الانتفاع الحقيقي به.. أما والأمر كذلك فإن عودتنا إلى القرآن تحتاج إلى وسائل سهلة وعملية ومحددة، تُعين صاحبها على إدارة وجهه للقرآن، والإقبال على مأدبته، والدخول إلى دائرة تأثير معجزته بصورة متدرِّجة.

ومن أهم الوسائل التي تحقق هذا الغرض هي:

  • الانشغال بالقرآن.
  • التهيئة الذهنية والقلبية.
  • القراءة المتأنية.
  • التركيز عند القراءة.
  • – التجاوب مع الآيات.
  • أن نجعل المعنى هو المقصود.
  • ترديد الآية التي تؤثر في القلب.

  أولاً: الانشغال بالقرآن

  بمعنى أن يصبح القرآن هو شغلنا الشاغل، ومحور اهتمامنا، وأولى أولوياتنا، ولكي يكون القرآن كذلك لا بد من المداومة اليومية على تلاوته مهما تكن الظروف، وأن نعمل على تفريغ أكبر وقت له، فالتغيير القرآني تغيير بطيء، هادئ، متدرِّج، ولكي يؤتي ثمارَه لا بد من استمرارية التعامل معه، وألا نسمح بمرور يوم دون أن يكون هناك لقاءٌ به، ولنعلم جميعًا أنه على قدر ما سنعطي القرآن سيعطينا، فمن استطاع أن يجعل له في يومه لقاءاتٍ معه فقد حاز قصب السبق.   

 ثانيا: التهيئة الذهنية والقلبية  

 لكي يقوم القرآن بعمله في التغيير لا بد من تهيئة الظروف المناسبة لاستقباله، ومن ذلك وجود مكان هادئ، يبعد عن الضوضاء، يتم فيه لقاؤنا به، فالمكان الهادئ يعين على التركيز وحسن الفهم وسرعة التجاوب مع القراءة، ويسمح لنا كذلك بالتعبير عن مشاعرنا إذا ما استُثيرت بالبكاء والدعاء، ومع وجود المكان الهادئ علينا أن يكون لقاؤنا بالقرآن في وقت النشاط والتركيز لا في وقت التعب والرغبة في النوم، ولا ننسَ الوضوء والسواك. هذا بالنسبة للتهيئة الذهنية أما التهيئة القلبية فالمقصود منها تهيئة المشاعر لاستقبال القرآن، ومِن ثم سرعة التأثر به، وهذا يستدعي منا أن نعمل على استجماع مشاعرنا قبل القراءة، ووسائل ذلك كثيرة، منها الدعاء وتذكر الموت، والاستماع إلى المواعظ، فإن لم يقدر على ذلك، فليكن التباكي عند القراءة وسيلتنا الميسرة لتلك التهيئة.

   ثالثًا: القراءة المتأنية

  علينا ونحن نقرأ القرآن أن تكون قراءتُنا متأنيةً، هادئةً، مرسلةً، وهذا يستدعي منا سلامة النطق وحسن الترتيل، كما قال تعالى:﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزمل: من الآية 4) وعلى الواحد منا ألا يكون همّه عند القراءة نهاية السورة، ولا ينبغي أن تدفعنا الرغبة في ختم القرآن إلى سرعة القراءة، فلقد ختمنا القرآن قبل ذلك مرات ومرات، فأين ثمرة تلك الختمات؟ وما الذي تغيَّر فينا؟!  

 رابعًا: التركيز مع القراءة  

نريد أن نقرأ القرآن كما نقرأ أي كتاب، فعندما نشرع في قراءة كتاب، أو مجلة، أو جريدة، فإننا عندما نقرأه إذا ما سرحنا في موضع من المواضع عُدنا بأعيننا إلى الوراء، وأعدنا قراءة ما فات على عقولنا، وما دفعنا إلى ذلك إلا لنفهم المراد من الكلام، وهذا ما نريده مع القرآن: أن نقرأه بحضور ذهن، فإذا ما سرحنا في وقت من الأوقات علينا أن نعيد الآيات التي شردت الأذهان عنها. نعم في البداية سنجد صعوبةً في تطبيق هذه الوسيلة بسبب تعوّدنا على التعامل مع القرآن كألفاظ مجردة من معانيها، ولكن بالمداومة والمثابرة سنعتاد- بمشيئة الله- القراءة بتركيز وبدون سرحان.  

خامسًا: التجاوب مع القراءة  

 القراءة خطاب مباشر من الله عز وجل لجميع البشر، لي ولك ولغيرنا.. هذا الخطاب يشمل ضمن ما يشمل أسئلةً وإجاباتٍ ووعدًا ووعيدًا، وأوامرَ ونواهي. فعلينا أن نتجاوب مع الخطاب القرآني بالردِّ على أسئلته، وتنفيذ أوامره بالتسبيح أو الحمد أو الاستغفار والسجود عند مواضع السجود، والتأمين على الدعاء والاستعاذة من النار، وسؤال الجنة، ولقد كان هذا من هدي رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وصحابته الكرام، ولعل القيام بهذه الوسيلة يساعدنا على زيادة التركيز عند القراءة وعدم السرحان.

   سادسًا: أن نجعل المعنى هو المقصود   

 البعض منا عندما يشرع في تدبر القرآن تجده يقف متمعِّنًا عند كل لفظٍ فيه؛ مما يجعل التدبُّر عمليةً شاقَّةً عليه، وما يلبث أن يملَّ فيعود أدراجه إلى الطريقة القديمة في القراءة دون فهمٍ ولا تدبُّرٍ، فكيف لنا إذن أننقرأَ القرآن بتدبُّر وسلاسة في نفس الوقت؟! الطريقة السهلة لتحقيق هذين الأمرين معًا هو أن نأخذ المعنى الإجمالي للآية، وعندما نجد بعض الألفاظ التي لا نعرف معناها، فعلينا أن نتعرَّف على المعنى من السياق، كمن يقرأ مقالاً ولا يعرف بعض الكلمات، فإنه يفهم المعنى الإجمالي من السياق، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حين قال :إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردُّوه إلى عالمه”، وبهذه الطريقة تصبح قراءة القرآن بتدبر سهلةً وميسرةً للجميع. وليس معنى هذا عدم النظر في كتب التفسير ومعاني الكلمات، فمما لا شك فيه أن للتفسير دورًا كبيرًا في فهم المراد من الآيات، وله أيضًا دورٌ أساسيٌّ في معرفة الأحكام الشرعية، والتي لا ينبغي علينا أن نستنبطها بمفردنا من القرآن، فتاريخ الأمة الإسلامية يشهد بانحراف الكثير مِمَّن استنبط بمفرده الأحكام الشرعية من القرآن دون أن يكون مؤهّلاً لذلك مثل الخوارج وغيرهم. ومع أهمية دور التفسير إلا أنه ينبغي أن يكون له وقته الخاص به، وغير المرتبط بوقت القراءة، فنحن لا نريد أن نخرج من لقائنا بالقرآن بزيادة الهمّ فقط، ولكن نريد القلبَ الحيَّ كذلك، وهذا يحتاج إلى اللقاء المباشر مع القرآن والسماح بقوة تأثيره أن تنسابَ داخلَنا وتتصاعدَ من خلال الاستمرار في القراءة، والاسترسال مع الآيات والتجاوب معها.  

 سابعًا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب  

وهذه من أهم الوسائل المُعينة على سرعة الانتفاع بالقرآن، فالوسائل السابقة مع أهميتها القصوى إلا أنها في النهاية تخاطب العقل الذي يعدُّ محلاًّ للعلم والمعرفة، أما الإيمان فمحله القلب، والقلب هو مجموع العواطف والمشاعر داخل الإنسان، وعلى قدر الإيمان فيه تكون الأعمال الصالحة التي تقوم بها الجوارح.. معنى ذلك أن الإيمان عاطفةٌ ومشاعر، وأن لحظات التجاوب والانفعال التي نشعر بها في دعائنا أو صلاتنا أو قراءتنا القرآن تؤدي إلى زيادة الإيمان في قلوبنا.

  القرآن وزيادة الإيمان  

 قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون﴾ (الأنفال: من الآية 2)فالقرآن من أهم وسائل زيادة الإيمان، وذلك من خلال مواعظه البليغة التي تستثير المشاعر وتؤججها، فيحدث بذلك التجاوب بين الفكر والعاطفة.

 

نعم.. قد تكون لحظات التجاوب والانفعال قليلةً في البداية، ولكن بالاستمرار على قراءة القرآن من خلال استصحاب الوسائل السابقة ستأتي- بعون الله- تلك اللحظات. فماذا نفعل وقت حدوثها؟!

 

علينا أن نستثمر الفرصة التي جاءَتنا، ونعمل على دخول أكبر قدرٍ من نور الإيمان إلى القلب في هذه اللحظات، وذلك من خلال ترديد الآية التي أثَّرت فينا، علينا ألا نملَّ من ذلك طالما وُجِد التجاوب، وهذا ما كان يفعله الصحابة والسلف رضوان الله عليهم.. عن عباد بن حمزة قال: دخلت على أسماء- رضي الله عنها- وهي تقرأ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)﴾ (الطور)، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال ذلك فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو.

 

 وبترديد الآية التي تؤثر في القلب تتولد في داخل العبد طاقة، عليه أن يحسن تصريفها بالبكاء والدعاء كما قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)﴾ (الإسراء).

 

فإذا ما انقطع التجاوب أكملنا تلاوتنا بنفس الطريقة منتظرين تجاوبًا آخر مع آيات جديدة، وبمرور الوقت ستزداد مساحة التأثر والتفاعل في لقائنا اليومي بالقرآن، لتزداد تبعًا لذلك مساحة النور والإيمان في القلب وتتبدَّد ظلماتُ الهوى، وشيئًا فشيئًا تسري روحُ القرآن فيه ليصبح قلبًا حيًّا رقيقًا يقظًا، يدفع صاحبه دومًا لفعل كل ما يُرضي مولاه وترْك ما يبغضه، وبهذا يقوم القرآن بأهم دور له، ألا وهو قيادة الحياة إلى الله عز وجل.

 

 وبعد.. فهذه سبع وسائل لا نجد فيها ما يصعب علينا الأخذ به، ولا يبقى بعد ذلك إلا الرغبة الصادقة في التغيير، هذه الرغبة التي لا نشك أنها متوفرةٌ لدى الجميع بفضل الله عز وجل  

 

أنشرها إن شاء الله تنجح

5 thoughts on “كيف ننتفع بالقرآن؟!

  1. A person essentially assist to make severely posts I might state. That is the very first time I frequented your website page and thus far? I surprised with the research you made to create this actual put up amazing. Fantastic task! Lindi Denys Herb

  2. Das ist wirklich interessant. Sie sind ein sehr erfahrener Blogger. Ich bin Ihrem RSS-Feed beigetreten und freue mich darauf, mehr von Ihrem wunderbaren Beitrag zu erhalten. Außerdem habe ich Ihre Website in meinen sozialen Netzwerken geteilt! Consolata Bond Frederiksen

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *